هل يوجد موظف إسرائيلي في وزارة التربية والتعليم الأردنية، يشطب جملة ويضيف أخرى في مناهج تدريس أبناء الأردنيين؟ قد يدفع هذا التساؤل إلى استنكار حكومي شديد اللهجة، لكنه بات مطروحاً من قبل بعض أولياء الأمور، وبوتيرة تزداد عاماً بعد آخر.
في الواقع، فإن العدو الصهيوني قد لا يكون بحاجة إلى إرسال موظف كهذا إلى عمّان ليشرف على عملية إعادة الهيكلة التدريجية للمناهج الأردنية، إذ إن المادة 11 من معاهدة "وادي عربة" تلزم الطرفين بالامتناع عن "الدعاية العدائية أو التمييزية"، وتقر إنشاء لجنة مشتركة للنظر في الادعاء بخرق المادة.
وبالرغم من ذلك، فإن دولة الاحتلال لا تكتفي بهذه الآلية، المُحرجة للأردن، وتلجأ إلى أدوات من شأنها إعادة تغليف التعديلات المطلوبة إسرائيلياً في رداء أوروبي أو أمريكي أو حقوقي، فضلاً عن العناوين الإنسانية والتقدمية والحداثية، في وقت بات فيه قطاع التعليم الأردني رهناً لشبكة من برامج الدعم الغربي، كما هو حال بقية القطاعات الحيوية في البلاد.
الأدوات الصهيونية
يبرز في هذا السياق دور "معهد مراقبة السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي"، المعروف اختصاراً بـ"إمباكت - أس إي" (IMPACT-se)، الذي يعمل منذ عام 1998 على فحص الكتب والمناهج الدراسية في العديد من الدول، وخاصة العربية والإسلامية، مع تركيز خاص على المناهج الفلسطينية.
وبالرغم من أن اسم هذه المؤسسة، التي يقودها ضابط الاحتياط الصهيوني "ماركوس شيف"، قد بات يتردد كثيراً في الآونة الأخيرة، على خلفية أحدث تقاريره التفصيلية للمناهج الأردنية، إلا أن عمل المؤسسة على مُراجعة مناهج المملكة ليس جديداً، وهو ما يمنحها فُرصة أن تقول بكل ثقة، في تقريرها الأخير، إن الأردن قد حقق بالفعل "تقدماً إيجابياً" بالمنظور الإسرائيلي، وإن كان طمعهم بالمزيد لن يتوقف.
ففي كتاب التربية الوطنية والمدنية للصف العاشر، على سبيل المثال لا الحصر، يقول التقرير إن نسخة 2025 عدلت فقرة تتعلق بطوفان الأقصى، مقارنة بنسخة 2024، حيث لم تعد إسرائيل توصف فيها بـ"العدو"، وبات المستوطنون يوصفون بأنهم "مدنيون".
وفي موضع آخر، يرصد التقرير حذف عدة عبارات تنتقد الاحتلال من طبعة جديدة لكتاب تاريخ الأردن، كما يرصد خرائط كانت تسمي المساحة غرب النهر "فلسطين" ثم استبدلت بخرائط لا تتضمن أي تسمية.
ترفض الحكومة الأردنية الإشارة إلى تلك الحالات، وغيرها الكثير، باعتبارها أدلة على رضوخها للاحتلال الإسرائيلي، لكنها في المقابل لن تتمكن من قول الشيء ذاته عن رضوخها المؤكد لجهات غربية، تستمع بدورها لتقارير "إمباكت" وغيرها من الأذرع الصهيونية.
وبالفعل، فإن تلك التقارير تلقى آذاناً صاغية في البرلمان الأوروبي والبريطاني والكونغرس الأمريكي، وهي جهات سبق أن رهنت تمويلها للسلطة الفلسطينية بمدى استجابتها لمتطلبات تقارير معهد "إمباكت" تحديداً.
وتشكل تقارير تلك المؤسسة مادة رئيسية بالنسبة لجماعات الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة، بما في ذلك رابطة "مكافحة التشهير" ADLالأمريكية الصهيونية، التي نشرت تحليلاً للكتب الأردنية عام 2021، ركز على تصوير اليهود والصهيونية والقدس، استناداً إلى أعمال "إمباكت". بالإضافة إلى العديد من المؤسسات الأخرى، مثل "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" التي رفعت خلاصات تقرير "إمباكت" عن الأردن في 2025 إلى مسؤولي السياسة الخارجية في البيت الأبيض والكونغرس.
ثم تأتي الحلقة الأخطر، والمتمثلة في الجهات المانحة، التي تتأثر بشكل مباشر وغير مباشر بالتقارير الإسرائيلية، بينما هي حاضرة في عمق قطاع التعليم الأردني، بما في ذلك مؤسسة USAID الأمريكية والبنك الدولي واليونسكو وغيرها.
وإلى جانب "إمباكت" هنالك أيضاً معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS، الذي يملك شبكة تأثير لا تقل خطورة، لكنه يتعامل مع التعليم الأردني بوصفه مؤشراً أمنياً وسياسياً، وسبق أن نشر دراسة بعنوان "هل نحن على الخريطة؟ إسرائيل في الكتب المدرسية الأردنية"، عام 2015، امتدحت إزالة وحدات اعتبرها "مشجعة على الصراع" من مناهج عام 2014، وظهور "إسرائيل" على الخريطة في بعض المواد، فضلاً عن منع كتاب "ينتقد السلام مع اليهود" من دخول المدارس.
هل يخضع الأردن؟
بالرغم من الإشادات الإسرائيلية بالتغييرات الأردنية، ومنها الأمثلة سابقة الذكر، فإن الحكومة الأردنية تشير في المقابل إلى انتقادات إسرائيلية في التقارير ذاتها، باعتبارها دليلاً على أنها لا تخضع لدولة الاحتلال.
ولا تبدو هذه الذريعة مُقنعة للكثير من المتابعين التربويين الذين رصدوا وجود عملية تدرج ممنهج في تقديم التنازلات منذ اتفاقية وادي عربة، بما يضمن تحقيق "هضمها" من قبل شعب قدم الكثير من التضحيات في مقاومة الاحتلال الصهيوني، وربط هويته الوطنية بالدفاع عن فلسطين ومقدّساتها.
فبعد ما تُعرف بـ"معاهدة السلام" أصبح لدى النظام الأردني "التزام رسمي بالتعايش مع إسرائيل"، وعدم اعتبار الكيان الصهيوني عدواً، وباتت كتابة سطر عن "إسرائيل" منذ تلك اللحظة تخضع لمعادلة الخضوع التام لشروط "السلام" من جهة، وتوسيع لحدود المقبول شعبياً من جهة ثانية.
وبعد تعديلات مرحلتي منتصف التسعينات، جاءت مرحلة مطلع الألفية، التي شهدت تعديلات في سياق موجة الرضوخ للسياسات الأمريكية ضد التعليم الإسلامي باعتباره مصدراً لـ"الإرهاب"، قبل أن تأتي مرحلة عام 2012، التي شهدت توزيع وزارة التربية كتيبات توعية صحية تضمنت خريطة يظهر عليها اسم إسرائيل، في حين غاب عنها اسما الأردن وفلسطين.
ثم جاءت أزمة عام 2014، التي شهدت تغييرات شملت حذف درس عن القدس ونصّاً عن الطيار الأردني فراس العجلوني من كتاب اللغة العربية، وخرائط في دليل المعلم استبدل فيها اسم فلسطين بإسرائيل.
شكّل عام 2016 نقطة الانفجار الأكبر، حيث شهد محيط وزارة التربية والتعليم احتجاجات وحرقاً لكتب من المناهج الجديدة، على خلفية إزالة نصوص قرآنية وأحاديث نبوية وإجراء تعديلات تعبث بهوية الشعب الأردني، فضلاً عن تعديلات إضافية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والتي قدرت لجنة مقاومة التطبيع النقابية بتجاوزها نحو 200 تعديلاً منذ اتفاقية "السلام" حتى ذلك الحين.
ويختزل تفاعل الأردن الرسمي على مستوى المناهج الدراسية مع طوفان الأقصى وحرب الإبادة في غزة مشهد الأسلوب المتدرج مع الشارع الأردني. فقد تمت إضافة نص يضع هجوم السابع من أكتوبر في سياق التاريخ الدموي الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، قبل أن يتم تعديل النص في نسخة عام 2025، بحذف كلمة "عدو" في وصف الاحتلال الصهيوني، فضلاً عن منح المستوطنين الصهاينة صفة "المدنيين".
وفي مناهج عام 2026، تمت إزالة عبارات كانت تشير إلى المطامع التوسعية للاحتلال وسرقة مياه الأردن، فضلاً عن إزالة فلسطين عن بعض الخرائط، وغيرها من التعديلات التي يتناقل صوراً منها أولياء أمور الطلاب الأردنيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
الجانب الأكثر إظلاماً في هذا المشهد كاملاً إلى اليوم لا يكمن في حقيقة الرضوخ، المُثبت عملياً على أرض الواقع، بل في أن الجانب الصهيوني يعتبر أن الأردن لا يقوم بتنفيذ تلك التغييرات مُكرهاً وحسب، بل إن الإرادة الأردنية أيضاً، بحسب دراسة INSSلعام 2015، تقوم بذلك راغبة في الوقت ذاته، في ضوء سياسة "مكافحة التطرف" الداخلية.
المفارقة المثيرة للسخرية تكمن في أن المؤسسات الصهيونية ما تزال بعد كل هذا تصدر شكاوى متتالية من أن الأردن "لم يتغير بما يكفي".
وبينما يحرص الأردن الرسمي على التأكيد اليومي على انفتاحه على "السلام"، يقوم ضباط جيش الاحتلال الإسرائيلي باستغلال ذلك الانفتاح للتنقل بسلاسة بين جبهة إبادة أبناء فلسطين، وجبهة كيّ وعي أبناء الأردن.




