يتجدد التصعيد الأمريكي الإيراني من وقت لآخر، ويتجدد معه جدل الأردنيين بشأن السلوك العدواني من طرف إيران ضد بلادهم، وسط تأكيدات حكومية بأن ذلك السلوك "غير مبرر"، وهو ما يُثير تساؤلات حول ما إذا كانت الحكومة الأردنية على اطلاع دقيق على أنشطة القوات الأمريكية على أراضي المملكة.
وترفض عمّان ادعاءات طهران بأن القوات الأمريكية المنتشرة على أراضي المملكة تشكل جزءاً من العمل الحربي ضد إيران، مع التأكيد على أن ذلك التواجد العسكري يأتي في إطار حق الأردن "الطبيعي" بعقد الاتفاقيات والمعاهدات مع مختلف الأطراف، انطلاقاً من مصالح البلاد واعتباراتها الوطنية الخاصة وغير العدائية ضد أي طرف في المنطقة.
ويستشهد الأردن بعدم انطلاق أي هجوم على إيران من بلاده، وبموقفه الرسمي بالتزام "الحياد"، دون الخوض في مدى إمكانية تحقيق ذلك الحياد في ظل ارتباط عمّان باتفاقيات عسكرية وأمنية مع الجانب الأمريكي، وعلى رأسها اتفاقية عام 2021، التي تتيح للجانب الأمريكي استخدام مواقع محددة بشكل حصري وعدم مشاركة تفاصيل أنشطته داخلها مع الطرف الأردني.
هل توجد قواعد أمريكية في الأردن؟
أكد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي في مناسبات مختلفة عدم وجود قواعد عسكرية أمريكية على الأراضي الأردنية، وهو ما تؤكده البيانات الرسمية الأمريكية، التي تكتفي بوصف أماكن تواجد قواتها في الأردن بـ"المواقع"، أو قواعد عسكرية دون وصفها بأنها "أمريكية".
كما تحرص البيانات الرسمية الأردنية على إبراز دور القدرات الوطنية في صد الهجمات الإيرانية، دون إشارات صريحة إلى الدور الأمريكي، وذلك على خلاف بيانات الجانب الأمريكي الذي يؤكد مركزية دوره في صد تلك الهجمات باستخدام قدراته الخاصة المتواجدة في "مواقع" تديرها القوات الأمريكية في الأردن.
وتشير المواقف الرسمية الأردنية في مجملها إلى أن الحكومة تُدرك بالفعل طبيعة نشاط القوات الأمريكية على أراضيها، وهو ما يمنح عمّان ثقة كبيرة في الحديث عن عدم مشروعية السلوك الإيراني وفق تلك المواقف، خاصة وأن تلك القوات، تتواجد في قواعد تابعة للجيش الأردني، وأن الولايات المتحدة لا تمتلك قواعد خاصة بها على أراضي المملكة.
تكمن المفارقة في أن الأردن كان قد وافق، وفق المادة الثالثة من اتفاقية التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة لعام 2021، على تخصيص مرافق ومناطق على الأراضي الأردنية، للاستخدام المشترك أو الحصري المجاني من قِبل قوات الولايات المتحدة، مع منح القوات الأمريكية التحكم في الدخول إلى المرافق والمناطق التي تستخدمها بشكل حصري، أو "السيادة عليها" بكلمات أخرى.
ويحدد ملحق الاتفاقية 12 قاعدة عسكرية أردنية موجودة بالفعل، باعتبارها مدار الاتفاقية في بنودها المتعلقة بـ"تخصيص المرافق والمناطق"، وبالتالي فهي "قواعد أردنية" لكن الولايات المتحدة تتمتع بحق طلب استخدام أي منها بشكل حصري، متى شاءت، ومطلق الحرية في تنظيم شؤونها بشكل كامل، بل وتطويرها من خلال إدخال مواد البناء إليها، ومنح القوات الأمريكية مطلق الحرية بالتعاقد مع أي طرف مقاول، من أي مكان شاءت، لتنفيذ أي خدمات لصالحها.
السيادة لمن؟
ومن خلال الاطلاع على الوثيقة الرسمية للاتفاقية، يُلاحظ بأن المادة الرابعة منها تُجيز لقوات الولايات المتحدة بأن تقوم بعمليات النقل والتمركز والتخزين للمعدات والإمدادات والمواد الدفاعية للاستخدام الحصري للقوات الأمريكية دون حاجة لموافقة الطرف الأردني، وبدون منحه حق تفتيش محتويات أي شيء خاص بالقوات الأمريكية أينما كانت.
إضافة إلى ذلك، توجب الاتفاقية على الأردن السماح للقوات الأمريكية بالدخول إلى الأراضي الأردنية والخروج منها والتنقل بحرية فيها، ولا يحق للأردن أن يطلب إبراز جوازات السفر أو التزام أي قوانين محلية، بل ويحق للقوات الأمريكية فعل ما تراه مناسباً لضمان أمنها وأمن مصالحها، بما في ذلك، بطبيعة الحال، حمل السلاح في الأماكن العامة.
لا يتوقف الأمر عند تلك البنود، فالاتفاقية مليئة بالجوانب المثيرة للجدل، والتي تعكس انتهاكات صارخة للسيادة الأردنية بحسب الكثير من المراقبين والساسة وخبراء القانون الأردنيين، لكن السؤال الأهم الذي تثيره بنود الاتفاقية يكمن في مدى إدراك الحكومة الأردنية بالفعل لطبيعة النشاط الأمريكي على أراضي المملكة، ما دامت القوات الأمريكية تتمتع بكل تلك الحرية، وفقاً لذلك، والخصوصية.
وفي حين يوافق الأردن، وفق الاتفاقية، على إطلاق يد الولايات المتحدة في التصرف على الأراضي الأردنية وعدم تفتيش القوات الأمريكية وعتادها أو "المواقع" التي يتم تخصيصها لتلك القوات، فإن الحكومة في المقابل تُطلق تصريحات "غاية في الثقة" في تكذيب الموقف الإيراني واستهجانه، دون منح الأردنيين إجابات شافية بشأن سبب وقوع بلادهم ضحية لصراع لم يختاروا المشاركة فيه.
تجدر الإشارة إلى أن الأردن يحمل صفة "حليف رئيسي للولايات المتحدة من خارج الناتو" منذ عام 1996، ويتواجد على أراضيه، آلاف الجنود الأمريكيين وعشرات المقاتلات وطائرات الشحن العسكري وأنظمة دفاعية متعددة الطبقات.
كما يُشار إلى أن اتفاقية عام 2021 تم تمريرها بإرادة ملكية دون مصادقة مجلس الأمة، وهو ما يجعلها فاقدة للمشروعية بحسب الدستور الأردني الذي يفرض مصادقة مجلسي النواب والأعيان على أي اتفاقية أو معاهدة "يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئاً من النفقات أو مساس في حقوق الأردنيين العامة أو الخاصة"، وهي المادة التي فسرها المجلس العالي لتفسير الدستور بأن "معاهدات الصلح والتحالف والتجارة والملاحة والمعاهدات الأخرى التي يترتب عليها تعديل في أراضي الدولة أو نقص في حقوق سيادتها أو تحميل خزانتها شيئاً من النفقات أو مساس بحقوق الأردنيين العامة أو الخاصة لا تكون نافذة إلا إذا وافق عليها مجلس الأمة".
وبينما تواصل الدبلوماسية الأردنية التمسك بخطاب التطمين والحياد، تظل التساؤلات الواقعية والقانونية قائمة حول قدرة عمّان على الإمساك بزمام المبادرة فوق أراضيها. فالاتفاقيات المبرمة بعيداً عن أروقة البرلمان، وحصانة القوات الأمريكية المطلقة داخل مواقعها الحصرية، تضع الأردن على طريق الانضمام إلى المساحات الإقليمية الرخوة، التي يدور الحديث منذ سنوات عن قرب تغير خرائطها.
نص الاتفاقية باللغتين الإنجليزية والعربية
الوثيقة على موقع وزارة الخارجية الأمريكية ↗
قراءة النسخة المرفقة (PDF) ↗تحميل الاتفاقية كاملة




