ويعد الأردن بلدا فقيرا مائيا، بل ومن أكثر الدول التي تعاني شح المياه في العالم، وتقدر موارد المياه المتجددة فيه بنحو 62 مترا مكعبا للفرد سنويا، مقارنة بحد الفقر المائي العالمي الذي يقدر بنحو 500 متر مكعب، ومن المتوقع أن تنخفض هذه الحصة بنسبة 30% بحلول عام 2040، بحسب أرقام وزارة الزراعة.

ويستهلك القطاع الزراعي قرابة نصف المياه في الأردن، ومن شأن شح المياه أن يضغط على حصة الناتج المحلي الإجمالي الناتج من القطاع الزراعي، حيث تراجع إلى 4.8% فقط من 9.7% عام 1978.

ويعول على مشروع الناقل المائي الوطني لتحلية الماء في العقبة، ونقله إلى شمال المملكة، أن يضيف 300 مليون متر مكعب من ماء الشرب إلى الشبكة، بواقع 40% من حاجة المملكة، بحسب رئاسة الوزراء، ولا يشمل ذلك مياه الزراعة أو الاستخدامات الأخرى.

ويطمح الأردن من وراء المشروع الوصول إلى الاستقلال المائي، لكون يد "إسرائيل" تضغط على شريانين رئيسيين للأردن؛ الأول الشريان المائي، والآخر شريان الطاقة.

الفوائد المرجوة

إلى جانب الوصول للاستقلال المائي عن "إسرائيل"، ينتظر الأردنيون من المشروع مضاعفة حصة الفرد السنوية من 60 إلى 110 أمتار مكعبة من المياه سنويا، إلى جانب زيادة عدد أيام التزود من المياه، من يوم واحد إلى ثلاثة أيام في الأسبوع، وفي جميع محافظات المملكة.

كما يفترض أن يسهم الناقل الوطني في تخفيف الضغط على المصادر التقليدية للمياه، وتحسين انتظام وصولها إلى القطاعات الصناعية والزراعية والاقتصادية المختلفة، عبر معالجة المياه الإضافية التي ستصل المواطنين، عقب استخدامها.

ومن الفوائد المنتظرة، إتاحة فرصة للأحواض المائية الجوفية في المملكة للتعافي، بحسب الخبير المائي، إلياس سلامة.

مزيد من الارتهان لـ"إسرائيل"؟

رغم أنه يعول على المشروع أن يمنح الأردن أمنا مائيا حتى 2040، إلا أنه ليس خاليا من العيوب، أو الانتقادات، أو ربما "أضرار جانبية" ترهن قطاع الطاقة في المملكة بيد "إسرائيل" من حيث لا نعلم.

إلا أن المشروع يواجه مشكلة متنامية، إذ أن النمو السكاني بحلول 2040 سيفرض معطيات جديدة للواقع المائي.

وتضاعف عدد سكان الأردن تقريبا من 3.6 مليون نسمة في عام 1990 إلى 11 مليون نسمة في عام 2021، ومن المتوقع أن يصل إلى 17 مليون نسمة بحلول عام 2040، مما يزيد من الطلب على المياه.

كما أن تكلفة المشروع مثار جدل، إلى جانب أن الطاقة المتجددة ستغطي 30% فقط من احتياجاته عبر إنشاء حقول للطاقة الشمسية بطاقة إنتاجية تقدر بنحو 300 ميجاواط، فيما ستغطي شبكة الكهرباء الـ 70% المتبقية، وهي طاقة هائلة.

ويشتري الأردن حاليا 50 مليون متر مكعب من الماء من "إسرائيل" بموجب اتفاقية إضافية لاتفاق السلام، غير أن الأخيرة رفضت في وقت سابق من العام الجاري تجديد الاتفاقية، بعد توتر العلاقات مع الأردن على خلفية الحرب على غزة، ومساعي تهجير الفلسطينيين.

علاوة على ذلك، فإن شركة الكهرباء الوطنية تعتمد في توليد الطاقة الكهربائية على "الغاز الإسرائيلي" بشكل أساسي بنسبة تقترب من 58% فيما لا تتجاوز نسبة الاعتماد على حقل الريشة المحلي للغاز 4%.

وهنا تأتي المشكلة، حيث أن المشروع الذي يعول عليه لتخفيف الفقر المائي في الأردن، قد يرافقه اعتماد أكبر على الغاز "الإسرائيلي"، لتحريك الماء من الجنوب إلى الشمال.

وانقطع "الغاز الإسرائيلي" إلى الأردن مرتين في 2026 دون سابق إنذار، ما اضطر المملكة إلى الاعتماد على الديزل، والوقود الثقيل، لتوليد الكهرباء.

وقال النائب الأول لرئيس مجلس النواب خميس حسين عطية، إن قيام الاحتلال الإسرائيلي بقطع إمدادات الغاز عن الأردن يمثل إجراء أحاديا مرفوضا ومدانا؛ وأكد على خطورة الارتهان لمصدر واحد للطاقة، خصوصا عندما يكون هذا المصدر هو "كيان الاحتلال".

كما أشار رئيس كتلة حزب الأمة في البرلمان، صالح العرموطي، إلى أن توقف "إسرائيل" عن تزويد الأردن بالغاز يعتبر مسوغا قانونيا لإلغاء شراء الغاز، والمطالبة بتعويضات مالية عن الأضرار التي لحقت بالمملكة.

والخلاصة هنا، أن الأردن خلال سعيه للاستقلال المائي، قد يكبل نفسه في ملف الطاقة أكثر فأكثر، ويضع مشروعه الطموح، رهن مزاج "إسرائيل" والتيار اليميني الذي يحكمها.

وكان الرائد في الجيش "الإسرائيلي"، ومستشار الأمن "الإسرائيلي" أليكس ناهومسون صرح بأنه لطالما كانت "إسرائيل" حصنا إستراتيجيا للأردن، وأن على "إسرائيل" وقف الخطاب الدبلوماسي المهذب مع المملكة، قائلا: "نعطيها الماء ونوفر لها التعاون الأمني، وتهاجمنا في الساحة الدولية"، في دعوة صريحة إلى التضييق على الأردن.

ونصح معهد القدس للإستراتيجية والأمن "الإسرائيلي" باستمرار رفد الأردن بالماء والغاز الطبيعي لمنع انهيار النظام الاقتصادي والمالي، ما يعني أن هذا سلاح ذو حدين، فماذا لو أرادت حكومة "إسرائيل" دفع الأردن نحو الهاوية الاقتصادية؟

ولا أدل على ذلك من اقتراح المعهد ذاته استخدام الاشتراطات الحازمة مع الأردن، لوقف ما أسماه "التحريض على إسرائيل" في الإعلام والمناهج الدراسية، وهو ما رضخت له الحكومة الأردنية في تعديلاتها على المناهج، استجابة للملاحظات التي سجلها معهد "إمباكت" الإسرائيلي.

أضرار بيئية؟

على الجانب البيئي، قال البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، إن المشروع يقع على مقربة من منطقة محمية في العقبة بمسافة لا تتجاوز 2.5 كم، وهي موطن لـ 150 نوعا من الشعب المرجانية، و500 نوع من الأسماك.

وتُعد الموارد السمكية في الأردن محدودة، إذ تساهم بأقل من 0.01% فقط من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

ولا يخفي البنك احتمالية وجود خطر تصريفات محطة تحلية المياه - على شكل مياه عالية الملوحة - على الأنواع التي تشمل السلاحف والأسماك والشعاب المرجانية، بدرجات مختلفة.

وستعادل الانبعاثات السنوية المسببة للاحتباس الحراري -الناجمة عن توليد الطاقة غير المتجددة اللازمة لتشغيل المحطة- ما تنتجه 160 ألف سيارة تعمل بالبنزين خلال عام كامل؛ وذلك وفقا لتحليل أجرته مؤسسة "كلايمت هوم نيوز" استنادا إلى بيانات قدمها مطورو المشروع.

حلول أخرى؟

النائب السابق، والخبير المائي، موسى هنطش ، اقترح سابقا معالجة فاقد المياه بسبب تلف شبكات المياه، وحل قضية الاعتداءات على شبكة الماء، كحلول بديلة للناقل الوطني.

وأكد هنطش أن قيمة الفاقد في المياه في محافظات المملكة يبلغ بين 50% إلى 80%.

كما اقترح حفر آلاف آبار المياه في الأغوار الشمالية، والجنوبية، يمكنها توفير 100 مليون متر مكعب من الماء.