يحق للمواطن الأردني أن يُطالب بالحذر وبِحسن إدارة تلك الموارد، بما أنها "محدودة"، لكن ما يفاقم قتامة المشهد يكمن في أن تلك الموارد ليست محدودة في حقيقة الأمر، ويتم إهدارها والاستهتار بإدارتها، بل إن بعضها بات نقمة على خزينة الدولة وجيوب المواطنين بدلاً من أن يكون نعمة عليهم وعلى أبنائهم.

يملك الأردن أحد أكبر احتياطيات الفوسفات والصخر الزيتي في العالم، لكن الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة والخضوع لـ"توصيات" الجهات المانحة، أدى في نهاية المطاف إلى رهن تلك الموارد لعقود ذات طابع احتكاري وطويل الأمد مع شركات أجنبية، تجني من تلك الثروات أكثر من عوائدها على الشعب الأردني. فأين ذهبت ثروات الأردن؟ وكيف جرى التفريط بها؟ وماذا لو لم يحدث ذلك؟

تراجيديا ثروات الأردن

بدأت قصة إهدار الثروات الأردنية، وخاصة الفوسفات، بشكل تدريجي منذ أواسط التسعينيات، عندما بدأت الحكومة برنامجاً لخصخصة مؤسسات القطاع العام، ضمن استراتيجية "التصحيح الاقتصادي" بالتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

ومن أبرز الشركات والمؤسسات التي شملتها عمليات الخصخصة من ذلك الحين، شركة مصانع الإسمنت عام 1998، وشركة الاتصالات عام 2000، وشركة البوتاس العربية عام 2003، فضلاً عن العديد من الشركات المُرتبطة بقطاعات الطيران والكهرباء والبريد وغيرها، وصولاً إلى شركة مناجم الفوسفات الأردنية عام 2006.

آنذاك، تذرّعت الحكومة بأن شركة مناجم الفوسفات مُثقلة بالديون والخسائر، وبدلاً من محاولة إنقاذ الشركة عبر إعادة هيكلتها وضبط أنشطتها وإحكام القبضة على الفساد والمحسوبية والترهّل، قامت ببيع 37% من أسهمها لوكالة الاستثمار في بروناي عبر تفاهم مباشر معها، وسط جدل كبير بشأن تدني قيمة الصفقة، التي بلغت نحو 111 مليون دولار، وإهدار الحكومة لفرصة الحصول على قيمة أعلى بكثير في حال قامت بفتح المجال للمنافسة.

ولم تكن الأسهم وحدها مشكلة الصفقة، فقد منح الاتفاق الشركة حق الاستكشاف والاستخراج الحصري للفوسفات في المملكة كلها، مع أولوية على أي عروض استثمار جديدة، في وقت كان يدور فيه الحديث عن اكتشاف احتياطيات إضافية بقيمة عشرات مليارات الدولارات.

فضلاً عن ذلك، ومع دخول وكالة الاستثمار في بروناي، تمت إعادة تشكيل مجلس إدارة الشركة، وتعيين وليد الكردي، صهر العائلة المالكة، رئيساً له، ليدخل الفساد وإهدار الثروة الوطنية والمال العام مُنعطفاً أكثر خطورة.

مع اندلاع ثورات الربيع العربي وتعالي الأصوات المُطالبة بالإصلاح في الأردن، قامت الحكومة بفتح ملف فساد شركة الفوسفات، وصدر عام 2013 حكمان قضائيان غيابيان بحق الكردي، الذي كان قد استقال عام 2012 وغادر البلاد، دون أن يترتب على أي من ذلك استعادة أموال الدولة المنهوبة، أو إعادة السيادة الأردنية على الفوسفات.

تجدر الإشارة إلى أن جميع الأحكام القضائية التي صدرت بحق الكردي من عام 2013 إلى 2022 فرضت عليه دفع غرامات بمجموع نحو 485 مليون دينار، علماً بأن تسريبات صحفية كانت قد أشارت إلى أنه عرض، إثر هروبه من الأردن، دفع 500 مليون دينار لقاء إنهاء التحقيق في القضية، ما يعكس أن القيمة الفعلية للأموال المنهوبة تفوق التقديرات بكثير.

باعت بروناي حصتها عام 2018 لشركتين هنديتين، واستقرت حصة الدولة على نحو 26% والضمان الاجتماعي على نحو 16%، بالإضافة إلى حصة كويتية تبلغ نحو 10%، فيما يتقاسم مساهمون آخرون ومستثمرون أفراد الحصص المتبقية المدرجة في بورصة عمّان.

تبدو الصورة أكثر قتامة فيما يتعلق بالصخر الزيتي، حيث يدفع الأردنيون من جيوبهم، وسيدفعون المزيد لرُبع قرن قادم، ضريبة سوء إدارة الحكومة لهذا المورد، الذي يمتلك الأردن ثالث أكبر احتياطي عالمي منه بحسب بعض التقديرات.

ففي عام 2014، تخلّت الحكومة عن هذا المورد بشكل كامل لتحالف من ثلاث شركات أجنبية، مع التزام قانوني بشراء الكهرباء التي يتم إنتاجها منهم، سواء كانت شركة الكهرباء الوطنية بحاجته أم لا، وبسعر مرتفع، ولمدة 30 سنة من بداية الإنتاج.

لم تحتفظ الحكومة بأي نسبة من المشروع (محطة العطارات) لصالح الدولة والخزينة العامة، ووافقت على ربط تحديد سعر شراء الكهرباء المولّد بسعر ثابت لبرميل النفط عند 100 دولار، على اعتبار أنها قدّرت بأن ذلك السعر لن يتراجع.

وبالرغم من أن الدولة كانت تسير في خطوط متوازية لعلاج أزمة الكهرباء الخطيرة، آنذاك، جراء انقطاع الغاز المصري وتفاقم ديون، وبالرغم كذلك من أن مشروع محطة العطارات لم يكن ليتم إنشاءه وبدء الإنتاج منه إلا بعد ثمان سنوات على الأقل، إلا أن الحكومة اعتبرت بأنها مضطرة للقبول بشروط الصفقة، والإذعان لتوصيات الجهات الدولية المانحة لعلاج الأزمة الخانقة، ليتضح في النهاية بأن الأردن لم يكن بحاجة لكهرباء المحطة في ظل نجاح الطرق البديلة في سد العجز بسرعة أكبر وتكلفة أقل، فضلاً عن انهيار سعر برميل النفط إلى ما دون 100 دولار بكثير.

في المحصلة، وبدلاً من أن يحقق الأردن مكاسب من ثروته الطبيعية، بات يدفع للشركات الأجنبية أكثر من نصف مليار دولار سنوياً، بخسارة محققة تزيد عن 200 مليون دولار سنوياً مقارنة بتكاليف إنتاج الكهرباء من مصادر أخرى، حتى وصلنا إلى مشهد تُعلن فيه شركة الكهرباء الوطنية، هذا العام، عن خسائر تراكمية تبلغ نحو 9.5 مليار دولار.

وبدلاً من مُحاسبة المسؤولين عن هذه الصفقة الكارثية، والبحث عن حلول إبداعية للأزمة، تركّز جهد الحكومة وشركة الكهرباء الوطنية على رفع دعوى قضائية أمام غرفة التجارة الدولية في باريس بحجة "الغُبن"، وتم رد القضية وتحميل أتعابها المقدرة بـ13 مليون دولار على شركة الكهرباء.

وأمام هذا الاستهتار بأهم موردين في الأردن، يُمكن ببساطة تخيل مشهد استثمار بقية الثروات. ولكن في المقابل، هل كان أمام الحكومات المتعاقبة خيارات أفضل؟ وكيف كان ليبدو المشهد اليوم لو لم يتم، على الأقل، ارتكاب أكبر الأخطاء وأكثرها خطورة؟

حق الأردنيين بواقع أفضل

بحلول عام 2022، نجحت شركة مناجم الفوسفات بسد كامل ديونها التي كانت تبلغ نحو 440 مليون دينار عام 2016، وتحويل الخسائر السنوية إلى أرباح اعتبار من عام 2018، وباتت الشركة ترفد الخزينة العامة بمئات الملايين سنوياً من حصة الدولة ومن الضرائب والرسوم، وهو مشهد يُثبت أهمية هذا المورد الاقتصادية وإمكانية أن يُدرّ المزيد على البلاد.

لا تسقط ذرائع "الاضطرار" بالنظر إلى فضائح الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة وحسب، بل وبالنظر كذلك إلى التجارب الأخرى غير البعيدة عن الأردن في إدارة الموارد الوطنية، بما في ذلك الفوسفات تحديداً.

فعند المُقارنة مع التجربة المغربية، نرى بأن المغرب لم يسمح بأي شراكة أجنبية في قطاع الفوسفات، رغم امتلاك كميات تفوق بكثير ما يملكه الأردن.

وفي العام الماضي، حققت OCP المغربية أرباحاً بأكثر من 1.8 مليار دولار، وبلغت توزيعات الأرباح التي تلقتها الدولة، التي تمتلك 94.12% من المجموعة؛ 788 مليون دولار، بينما يملك "البنك الشعبي"، وهو ثاني أكبر البنوك في المملكة، الحصة المتبقية.

وبالرغم من أن ما تُدره مجموعة OCP المغربية على الخزينة من أرباح صافية، حالياً، لا يتجاوز كثيراً ما تجنيه خزينة الدولة الأردنية من الفوسفات بشكل مباشر وغير مباشر (أكثر من 674 مليون دولار في 2025)، إلا أن ذلك يعود في حالة المغرب إلى تخصيص نسب كبيرة من العوائد لصالح توسيع أنشطة الشركة وتعزيز الصناعات التحويلية وإسناد القطاع الزراعي الوطني بالأسمدة، فضلاً عما بات يُعرف بـ"دبلوماسية الفوسفات"، حيث بات السماد المغربي من أهم أدوات الرباط في تعزيز علاقاتها الإفريقية.

أما فيما يتعلق بالصخر الزيتي، فإن المشهد أكثر تعقيداً، حيث لا يمكن إنتاج النفط من هذا المورد كما يحدث في حالة النفط الصخري الأمريكي، وإنما تتم معالجته لإنتاج زيوت يمكن استخدامها في إنتاج الكهرباء، في عملية كانت تعد آنذاك (2014) معقدة تقنياً، ومكلفة مادياً، وخطيرة استثمارياً في بيئة أردنية شرق أوسطية.

وانطلاقاً من ذلك، وافقت الحكومة على صفقة كارثية، حولت ملف الصخر الزيتي إلى عبء على الخزينة، بدل أن يكون مرورداً لها، متذرّعة بأنها كانت تخضع لضغوط هائلة ومن جهات متعددة، فشبكة الكهرباء تعاني بسبب انقطاعات الغاز المصري، وخزينة الدولة تعاني وسط غياب لأي أوراق قوة يمكن استغلالها لاستجلاب استثمارات أجنبية أو قروض من المانحين، فضلاً عن ضغوط الشارع الذي كان يغلي آنذاك ويتساءل عن سبب عدم استغلال الصخر الزيتي تحديداً.

وبالرغم من كل ذلك، إلا أن الأردن لم يكن مضطراً بكل الأحوال للاستعجال والتفريط بهذه الثروة بشكل كامل، بالنظر إلى أن الاستثمار الأجنبي لم يكن ليؤتي أكله فوراً بكل الأحوال.

يثير ذلك المشهد الكثير من الأسئلة: كيف لم تُفكر الحكومة بذلك؟ ولماذا لم تفرض نسبة لصالح الدولة من الصفقة؟ والأهم والأخطر لماذا ربطت تكلفة انتاج الكهرباء بسعر برميل النفط المرتفع، ولم تلجأ إلى معادلة تضم تكاليف إنتاج الكهرباء من مصادر مختلفة؟ أو على الأقل فرض إعادة تسعير سنوية أو كل بضع سنوات لتعرفة الكهرباء وفقاً لتغير سعر برميل النفط؟

قد لا ينجح الأردنيون بالحصول على إجابات كاملة، لكن الأكيد أنهم يدفعون اليوم مئات الملايين من قوتهم هدراً، وسيواصلون الدفع لنحو 25 عاماً قادمة، ليس فقط لأن برميل النفط يبقى دون سقف 100 دولار، بل لأن تكاليف إنتاج الكهرباء من مصادر أخرى باتت منخفضة جداً، مع تعقيدات فنية إضافية يفرضها فائض الكهرباء مع غياب الحلول الإبداعية لاستثماره.

قد تكون الحكومة محقة في ضعف الجدوى الاستثمارية للصخر الزيتي آنذاك، لكن معادلة "لا رابح ولا خاسر" كان من الممكن تحقيقها من خلال تعديلات بسيطة في الصفقة، بالتوازي مع تعظيم مواكبة الأردنيين لعمل محطة العطارات منذ بدء إنشائها إلى اليوم بهدف خلق قاعدة معرفية وتقنية وإدارية وطنية تدير الاستثمار بل وتُطوره بعد انقضاء مدة العقد، فضلاً عن استغلال حقول أخرى بدلاً من استجلاب شركة سعودية مؤخراً لفعل ذلك.

وبالرغم من كل تلك العثرات، فإن الحكومة يُمكنها اليوم خلق حلول لزيادة مكاسب الخزينة من الفوسفات وتقليل خسائرها من الصخر الزيتي، سواء من خلال الضبط المالي والإداري، أو التحكم بالهوامش التي تتيح الصفقات التحكم بها مثل الرسوم وال ضرائب، أو إعادة هيكلة وتوطين الصناعات التحويلية، فضلاً عن استخدام فائض الطاقة الكهربائية في مشاريع إبداعية والتصدير إلى دول الجوار، وغيرها من الحلول الممكنة.

والأهم من هذا وذاك، فإن مواصلة إدارة الدولة ومواردها بالطريقة ذاتها سيقود بالضرورة إلى نتائج مشابهة. وبالتالي فإن الأردن بحاجة، قبل أي شيء آخر، إلى محاسبة المسؤولين عن الفساد وسوء الإدارة، وخلق بيئة سياسية تمنح فرصة لذوي الكفاءة والنزاهة الوصول إلى أروقة صنع القرار، بالإضافة إلى الشفافية وإحياء الرأي العام، وفتح مجال المشاركة في صنع القرار أمام شعب لطالما تحمل تبعات الأخطاء ودفع فواتير الفساد وسوء الإدارة.